توطئـة

 إن الهدف الأساسي للدولة يكمن في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وتقاس حضارات الدول بمقدار ما تزداد به معدلات التنمية في كل واحدة من هذه المجالات. غير أن قياس التنمية، إذا اقتصر على الأرقام المادية المجردة، يظل ناقصاً إذا لم يقترن بإمكانية تمتع المواطنين بمنجزات ومركبات عمليات التنمية من خلال إعمال جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية بشكل تام.

 وتجسيداً لهذا الربط المعنوي أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة "إعلان الحق في التنمية" عام 1986، والذي تضمن مجموعة من المبادئ التي تضمن ارتباط التنمية بالعدالة والرفاه الاجتماعي، باعتبار أن التنمية هي حق من حقوق الإنسان الأساسية ومدخل للحقوق الأخرى.

 وخلال المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فينا عام 1993، صدر "إعلان فينا" الذي يتضمن مطالبة الدول الأعضاء بإعداد خطط عمل وطنية، تمكن الدولة من تحسين وسائل حماية وتطوير حقوق الإنسان أثناء قيام الدولة بواجبات الحكم والإدارة.

 وقد تجاوبت دول عدة مع هذا المطلب، وقامت بإعداد خططها الوطنية الخاصة، ولكن ما زال هناك الكثير من الدول التي إما لم تنته من إعداد خططها، أو لم تباشر بإعداد هذه الخطط.

 ولعله من العلامات الإيجابية أن السلطة الوطنية الفلسطينية، وحتى قبل أن تصل الى مرحلة الدولة، تبنت هذا التوجه وشرعت بإعداد خطة عمل وطنية لحقوق الإنسان، لتكون بذلك أول دولة عربية تعد وتتبنى خطة وطنية خاصة بها في مجال حقوق الإنسان.*

 منذ الحرب العالمية الأولى والمخططات الخارجية تتدخل بمصير الشعب الفلسطيني. فخلال نحو تسعة عقود، تعاقب على حكم الشعب الفلسطيني ستة أنظمة حكم مختلفة، جاء كل منها برزمة من القوانين التي أعدت حتى تنسجم ومصالح نظام الحكم السائد. وإضافة الى النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني عام 1948، وأدت الى تقسيم وطنه وتشريد نحو نصف سكانه، فقد اتسمت فترة الاحتلال الإسرائيلي التي بدأت عام 1967 للضفة الغربية وقطاع غزة بوجود خطة منهجية استهدفت نشر المستوطنات الإسرائيلية في المناطق المحتلة. وعمدت سلطات الاحتلال إلى تحوير القوانين عن طريق الأوامر العسكرية لتخدم هذه السياسة. وخلال نحو 30 عاماً من الاحتلال، تم تدمير البنية التحتية في كافة المجالات، وبضمنها المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وشكلت انتهاكات حقوق الإنسان على إختلافها السمة الأساسية التي ميزت فترة الاحتلال الإسرائيلي.

ومع انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، بدأت عملية انعتاق مستمرة طمحت إلى استقلال الشعب الفلسطيني واعادة حقوقه المدنية والسياسية له. وقد شكل إعلان الدولة الفلسطينية (إعلان الإستقلال) في تشرين ثاني عام 1988 الإطار النظري الأبرز لهذه الطموحات، خاصة فيما يتعلق بممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير، والاستقلال السياسي، والسيادة فوق أرضه، التي يتمتع مواطنوها بالمساواة الكاملة في الحقوق. فقد جاء في إعلان الاستقلال:

 "إن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا، فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق، وتصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب ورعاية الأغلبية حقوق الأقلية واحترام الأقلية قرارات الأغلبية، وعلى العدل الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز في الحقوق العامة على أساس العرق أو الدين أو اللون أو بين المرأة والرجل، في ظل دستور يؤمن سيادة القانون والقضاء المستقل، وعلى الوفاء الكامل لتراث فلسطين الروحي والحضاري في التسامح والتعايش السمح بين الأديان عبر القرون".

 كما تضمنت وثيقة إعلان دولة فلسطين "التزامها بمبادئ الأمم المتحدة وأهدافها، وبالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتزاماتها كذلك بمبادئ عدم الانحياز وسياسته".

 لقد اشتمل مشروع القانون الأساسي الفلسطيني على مجموعة من الأسس التي تأخذ في اعتبارها احترام قواعد حقوق الإنسان، وجرى التأكيد على هذه القواعد في مسودة مشروع الدستور الفلسطيني، ويعتبر ذلك أمراً إيجابياً، وتزداد أهميته في حال إقرار هذه الوثائق ووضعها موضع التطبيق.

وبعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، وبدء بسط نفوذها التدريجي على المناطق الآخذة بالتحرر، واجهت هذه السلطة تحديات جسيمة في إعادة بناء البنية التحتية المدمرة، ضمن إمكانيات محدودة وظروف عمل صعبة، وفي ظل استمرار الاحتلال في معظم المناطق، واستمرار سيطرته على الحركة الداخلية الخارجية.

شرعت السلطة الوطنية الفلسطينية، وبجهود متواصلة وبإمكانيات محدودة، في إنشاء المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية اللازمة لتوفير الآليات المؤسسية التي يتوجب عليها مباشرة عملية إعادة البناء. ومع تضافر جهود هذه المؤسسات مع منظمات المجتمع المدني، شرعت في عملية مستمرة استهدفت ليس فقط معالجة الخلل، بل تطوير المجتمع الفلسطيني بحيث يساير ويواكب المتطلبات المعاصرة والمستجدة.

تهدف الخطة الوطنية لحقوق الإنسان إلى وضع الإطار القيمي والاخلاقي والعملي الذي يعكس ويسعى إلى تحقيق كرامة المواطنين الفلسطينيين. وبهذا فهي تقدم فهماً عميقاً لمعاني حقوق الإنسان من حيث الربط بين الحقوق السياسية والمدنية من جهة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى. وعليه فإن الخطة تهدف لأن تكون دليلاً إدارياً لواضعي خطط التنمية والسياسات والبرامج العامة على المستوى الرسمي، وكذلك دليلاً وإعلاناً للمواطن يعرف من خلاله ما له من حقوق، وطبيعة علاقاته مع مؤسسات الدولة. وضمن هذا السياق فقد روعي بأن تغطي الفترة الزمنية لهذه الخطة أربع سنوات بحيث تتطابق مع خطة التنمية الفلسطينية، والتي تغطي الفترة (1999-2003).

وإذا ما تم الالتزام بهذه الخطة، فإنه من المتوقع أن تمارس دولة فلسطين صلاحياتها والتزاماتها من خلال تطبيق معايير حقوق الإنسان، بشكل يمكّن من الارتقاء بمستويات حقوق الإنسان في مجالات حيوية أساسية، ويسهم في تنفيذ الخطط التنموية الفلسطينية بشكل يتماشى وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ومن ناحية أخرى، فإن الالتزام بهذه الخطة يمثل إطاراً يشمل أهدافاً عامة مشتركة للتعاون والتنسيق والشراكة ما بين مؤسسات الدولة وأطر وتنظيمات المجتمع المدني، بما يمكن من تحقيق وتكامل الأهداف الوطنية المشتركة. وبطبيعة الحال، فإن الخطة بجوهرها تنحاز باتجاه تحقيق العدالة المجتمعية، الأمر الذي يعني استهدافها للمجموعات الأكثر تهميشاً في المجتمع، والأكثر حاجة للرعاية، خصوصاً الأطفال والنساء واللاجئين، وذوي الاحتياجات الخاصة والسكان الأقل تمتعاً بالمزايا المعيشية المعاصرة .

أما من الناحية العامة، فإن مجرد وضع الخطة والالتزام بتطبيقها، سيكون له وقع إيجابي يمكن من خلاله تأكيد مبدأ سيادة القانون، والمساهمة في زيادة الوعي واحترام حقوق الإنسان، بحيث تكون هذه الخطة المرجعية للنشاطات المرتبطة بحقوق الإنسان. إضافة إلى دورها في تعزيز وتطوير علاقات الصداقة بين الدول والشعوب بشكل يؤدي إلى الإسراع في التحاق فلسطين بركب المجتمع الدولي الملتزم بمعايير حقوق الإنسان.


 

* يذكر في هذا الصدد أن الرئيس ياسر عرفات دشن في الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1998 حملة التوقيعات في فلسطين، الداعية الى الالتزام بما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وشكل ذلك، اضافة لما ورد في إعلان الاستقلال، حافزاً لتطوير خطة وطنية لحقوق الإنسان وضمان انطباق معاييرها على الخطط التنموية والاستراتيجية.

 

التالي

السابق